فؤاد سزگين

32

تاريخ التراث العربي

يستنتج من هذا الإيجاز أن جابرا كان يرى في الكيمياء أنها نتيجة تطور عبر قرون ، ولو أنه لم يعلم أن الجزء الأعظم من المؤلفات التي وصلته كان مزيفا وأن من امتدحهم من الثقات لم يكن لهم في الحقيقة دور مباشر ، بل لم يكن لبعضهم أي دور في الكيمياء على الإطلاق . وهكذا ، فإن مجموع جابر يعني خاتمة التطور السابق كما يعني التقنين والتصنيف الأخيرين في الكيمياء ، فإلى جانب الشكل النظري المتكامل الموثق بالمنطق العلّي ، فإن كيمياء جابر - تمشيا مع ما ذكره هولميارد ( انظر بعده ص 201 ) - تعد بما نالها من « تغيير ، علما تجريبيّا منتظما » ، وهي بذلك تستحق ، بلا شك ، اسم « كيمياء » . لا يمكن ، اعتمادا على الدراسات السابقة ، وبحكم تعلقها بالتأريخ الرائج بالنسبة لبعض المؤلفات والعلماء ، لا يمكن التعرف بسهولة على المسار الذي اتخذه هذا العلم في أوساط العلماء المسلمين - العرب . ومما يلفت النظر أن العرض المتعدد الوجوه لموضوع ما في كتب جابر ، لا يلاحظ عند الرازي ، وأن كيمياء الرازي تخدم الأغراض العملية فحسب . ففي هذه الناحية ، يبدو أن الكيمياء في مؤلفات الرازي وابن سينا وأبي الحكيم الكاثي ( نحو 426 ه / 1034 م ) ، قد تقدمت بعض الشئ . إلا أن ظاهرة مهمة في تاريخ الكيمياء العربية - الإسلامية لا ينبغي تجاهلها وهي أن التطور لم يكن تطورا مستمرا وأن الأجيال المتأخرة لم تع أهمية العلم الذي أسسه جابر وعيا شاملا . يكفي أن يستشهد هنا بأن الفارابي الذي جاء بعد أكثر من مائة سنة لم يفهم من هذا العلم إلا أنه تحويل المعادن ( انظر بعده ص 426 ) وأن معاصره ابن أميل اتبع كيمياء القدامى المرموزة وانتقد هيكل أفكار جابر ( انظر بعده ص 421 ) . * * *